محمد بن محمد ابو شهبة

273

السيرة النبوية في ضوء القرآن والسنة

وكرر ، وجاء بما لم يقع في وعيد المشركين عبدة الأوثان إلا بما هو دونه في الفظاعة وما ذلك إلا لأمر . وعن ابن عباس رضي اللّه عنه أنه كان بالبصرة يوم عرفة ، وكان يسأل عن تفسير القران ، حتى سئل عن هذه الآيات فقال : « من أذنب ذنبا ثم تاب عنه قبلت توبته ، إلا من خاض في أمر عائشة » ، وهذه منه مبالغة وتعظيم لأمر الإفك ، وقد برّأ اللّه أربعة بأربعة : برأ يوسف بلسان الشاهد وَشَهِدَ شاهِدٌ مِنْ أَهْلِها ، وبرأ موسى من قول اليهود فيه بالحجر الذي ذهب بثوبه « 1 » ، وبرّأ مريم بإنطاق ولدها حين نادى من حجرها إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ ، وبرّأ عائشة بهذه الآيات العظام ، في كتابه المعجز ، المتلو على وجه الدهر مثل هذه التبرئة بهذه المبالغات ، فانظر كم بينها وبين تبرئة أولئك ، وما ذلك إلا لإظهار علو منزلة رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، والتنبيه على أنافة محل سيد ولد ادم ، وخيرة الأولين والآخرين ، وحجة اللّه على العالمين ، ومن أراد أن يتحقق من عظمة شأنه صلى اللّه عليه وسلم ، وتقدم قدمه ، وإحرازه لقصب السابق دون كل سابق - فليتلق ذلك من آيات الإفك ، وليتأمل كيف غضب اللّه له في حرمته ، وكيف بالغ في نفي التهمة عن حجابه ) « 2 » .

--> ( 1 ) هذه القصة رويت في صحيح البخاري ، وقد أشار إليها اللّه في قوله : يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَكُونُوا كَالَّذِينَ آذَوْا مُوسى فَبَرَّأَهُ اللَّهُ مِمَّا قالُوا ، وَكانَ عِنْدَ اللَّهِ وَجِيهاً ، وكانوا رموه بأنه « ادر » أي منتفخ الخصية ، وبينا هو ذات يوم يغتسل في البحر وقد ترك ثيابه على حجر ، إذ فرّ الحجر بثوبه ، فصار يجري وراءه وهو يقول : ثوبي يا حجر ، فرأى الناس أن ليست به أدرة . ( 2 ) تفسير الكشاف ، ج 2 ص 78 .